الإرهابي الذي صار مُرسَلًا
English version: Terrorist Becomes A Missionary https://english.biblebasedhope.com/terrorist-becomes-a-missionary/
كتب جون نيوتن، مؤلف الترنيمة المسيحية الشهيرة “نعمة مدهشة”، هذه الترنيمة بعد حياة قضاها في البحر. كان بحّارًا عاش حياة تمرد وشر. عمل في سفن تجارة العبيد، حيث كان يشارك في أسر العبيد وبيعهم لمزارع العالم الجديد. وبعد ذلك أصبح قبطانًا لإحدى سفن العبيد. ولكن بعد سلسلة من الأحداث، من بينها تجربة كاد أن يموت فيها غرقًا، سلّم حياته للمسيح. وفيما بعد، أصبح واعظًا عظيمًا وقائدًا روحيًا في الكنيسة في زمنه. والتاريخ مليء بأمثلة لأشخاص مثل نيوتن، عاشوا في الخطية، لكنهم تغيروا بالكامل بنعمة المسيح.
ومع ذلك، فهناك مثال واحد يختلف عن جميع الأمثلة الأخرى. هذا الشخص وصف نفسه بأنه “أول الخطاة” (راجع ١ تيموثاوس ١ : ١٥). لقد اضطهد كثيرًا من المؤمنين، بل وصوّت لصالح إعدامهم. يمكن القول بأنه كان أخطر “إرهابي ديني” في زمنه. لكنه تحول إلى مرسل كارز من خلال رحمة الله العظيمة، نفس الإيمان الذي حاول أن يُبيده صار الآن رسالته! أكثر من نصف رسائل العهد الجديد كُتبت بوحي من خلال قلمه. وتأثيره في نشر الإنجيل لا يزال عظيمًا حتى اليوم. ويمكن القول بثقة إن هذا الرجل، بعد الرب يسوع المسيح، هو الشخص الأكثر شهرة في المسيحية.
اسمح لي أن أقدّم لك هذا الإرهابي الذي تحول إلى مرسل — شاول الطرسوسي، المعروف باسم الرسول بولس. ومن خلال تأملنا في حياته، يمكننا أن نتعلّم دروسًا عملية لها تأثير عميق على حياتنا. لكن دعونا أولًا نتعرّف على سنواته الأولى قبل الإيمان، من خلال كلماته هو كما وردت في أعمال الرسل ٢٢ : ٣ – ١١.
أولًا: الحياة المبكرة والتعليم (أعمال الرسل ٢٢ : ٣ – ٤)
وُلد بولس في مدينة طرسوس الواقعة في تركيا الحالية. كانت طرسوس في ذلك الزمن مدينة ساحلية مرموقة، مشهورة بجامعتها ومكانتها السياسية. كان عدد سكانها يقارب نصف مليون شخص من خلفيات ثقافية متعددة. وقد نشأ بولس في هذا المجتمع المتنوع، فتعلّم اللغة اليونانية إلى جانب العبرية. هذا التعليم المبكر مهّده لاحقًا ليصل بالإنجيل إلى غير اليهود بطريقة فعالة.
كان والد بولس رجلاً متدينًا فريسيًا (انظر أعمال الرسل ٢٣ : ٦). ولا توجد معلومات عن والدته، لكننا نعلم أن له أختًا (أعمال الرسل ٢٣ : ١٦). لا يذكر الكتاب المقدس صراحةً إن كان بولس متزوجًا. البعض يعتقد أنه كان متزوجًا نظرًا لدوره في المجمع اليهودي، وربما تُوفيت زوجته قبل إيمانه بالمسيح. وقد يُشير كلامه في ١ كورنثوس ٧ : ٨ إلى كونه أرملًا، لكن لا يمكننا الجزم بذلك.
كان بولس يعمل في صناعة الخيام، وهي مهنة تعتمد على استخدام جلود الحيوانات — وربما تعلّمها من والده. وعلى الرغم من أنه يهودي، فقد كان أيضًا مواطنًا رومانيًا (أعمال الرسل ٢٢ : ٢٧ – ٢٨)، ولذلك يُعتقد أنه كان له اسم ثلاثي كما هي عادة الرومان (مثل: غايوس يوليوس قيصر). الإسمان الأولان كانا عائليين، والثالث شخصيًا. أما بولس، فنحن نعرف فقط اسمه الشخصي “بولُس” (Paullus باللاتينية، ومنه Paul باليونانية). ولكل يهودي أيضًا اسم عبري، وكان اسم بولس العبري هو “شاول”، وربما سُمي بذلك تيمنًا بالملك شاول أول ملوك إسرائيل، الذي كان من نفس سبط بنيامين (رومية ١١ : ١).
تلقّى بولس تدريبًا دينيًا متينًا في ديانة اليهود، أولًا في بيته، ثم في أورشليم تحت إشراف المعلّم اليهودي الشهير “غمالائيل”. وبحسب كلماته هو، كان “يتقدم في الديانة اليهودية أكثر من كثيرين من أبناء جيله، وكان غيورًا جدًا على تقاليد آبائه” (غلاطية ١ : ١٤). فالدين، بالنسبة لبولس، كان في مركز كل شيء في حياته.
ثانيًا: اضطهاد الكنيسة (أعمال الرسل ٢٢ : ٤ – ٥ أ)
بعد سنواته الأولى تحت تعليم غمالائيل، لا نجد الكثير من التفاصيل عن بولس. لكنه يظهر لنا فجأة كواحد من أبرز مضطهدي الكنيسة. كان حاضرًا أثناء استشهاد “استفانوس”، أول مسيحي يُقتل شهادةً للمسيح (أعمال الرسل ٧ : ٥٤ – ٨ : ٣). لم يكن بولس مجرد مشاهد، بل كان يحمل ثياب الذين كانوا يرجمون استفانوس، ووافق على قتله (أعمال الرسل ٨ : ١). لم يكن موقف بولس سلبيًا، بل كان مشاركًا فعالًا في هذا العمل. وبالنسبة له، كان هذا مجرد بداية لتحقيق هدفه: القضاء التام على أتباع المسيح.
من تلك اللحظة، صار بولس يتحرك بدافع واحد: “تدمير الكنيسة” (أعمال الرسل ٨ : ٣). والكلمة المستخدمة في الأصل اليوناني تُستخدم لوصف خنزير بري يخرّب كرْمًا، أو وحش مفترس يمزق جسد فريسته. كان بولس يهاجم المسيحيين بوحشية تشبه هجوم الحيوانات المفترسة. لم يكن يفرق بين رجل أو امرأة (أعمال الرسل ٨ : ٣) الجميع عانوا من اضطهاده.
والأخطر من ذلك، أن بولس كان يفعل كل هذا وهو يظن أنه يخدم الله. في الواقع، كان بولس “إرهابيًا دينيًا” بكل معنى الكلمة! وقد اعترف بنفسه أكثر من مرة بما فعله من اضطهاد للكنيسة. ففي أعمال الرسل ٢٦ : ١٠ – ١١ قال: “فحبست كثيرًا من المؤمنين في السجون بعد أن نلت هذا السلطان من رؤساء الكهنة، وعندما كانوا يُقتلون كنت أوافق على قتلهم. ومرّات كثيرة، كنت أعاقبهم في جميع المجامع لأجبرهم على التجديف، وبلغ بي الغضب منهم حدًّا جعلني أطاردهم حتى في المدن البعيدة”. لقد كانت لدى بولس رغبة جامحة في إزالة المسيحية من الوجود. اضطهاده لم يقتصر على أورشليم وضواحيها، بل امتد إلى المدن البعيدة أيضًا.
ثالثًا: على طريق دمشق (أعمال الرسل ٢٢ : ٥ – ١١)
بعد أن حصل على رسائل تفويض من رؤساء الكهنة، انطلق بولس إلى دمشق ليقبض على المسيحيين هناك ويعود بهم أسرى إلى أورشليم (أعمال الرسل ٢٢ : ٥). تقع دمشق في سوريا، على بُعد حوالي ٢٢٥ كيلومترًا من أورشليم، وكانت الرحلة تستغرق حوالي سبعة أيام في ذلك الزمان. وكان الناس يسافرون عادةً في الصباح الباكر أو في المساء لتجنّب حرارة الشمس. غير أن بولس كان يسير في منتصف النهار (أعمال الرسل ٢٢ : ٦)، مما يدل على استعجاله الشديد في تنفيذ مهمته.
وأثناء اقترابه من دمشق، في وضح النهار، أبرق حوله نور شديد من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتًا يقول له: “شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟” فسأل: “من أنت، يا سيد؟” فجاءه الجواب: “أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده” (أعمال الرسل ٢٢ : ٦ – ٨).
تخيلوا الصدمة رجل مطروح على الأرض يواجه الرب يسوع المسيح نفسه! كل ما قاله استفانوس وبقية المسيحيين عن يسوع كان صحيحًا! بولس لم يكن يخدم الله، بل كان يحاربه. أما رفاقه، فقد رأوا النور لكنهم لم يسمعوا الصوت بوضوح (أعمال الرسل ٢٢ : ٩). وهناك على الأرض، تغيّر بولس جذريًا صار إنسانًا جديدًا في المسيح. فالانكسار يسبق الخلاص، وكانت أول صرخة تصدر من قلبه المُفتدى: “ماذا أفعل، يا رب؟” (أعمال الرسل ٢٢ : ١٠ ). بالنسبة لبولس، لم يكن سيادة يسوع على حياته موضوعًا للنقاش، بل حقيقة مطلقة! فكيف لإنسان أن يصير مسيحيًا دون خضوع كامل لسيادة الرب يسوع؟ (راجع مرقس ٨ : ٣٤ – ٣٨، رومية ١٠ : ٩).
فماذا كان جواب يسوع؟ قال له: “اذهب إلى دمشق، وهناك يُقال لك ما يجب أن تفعل” (أعمال الرسل ٢٢ : ١٠ ). ولأنه فقد بصره بسبب شدة النور، قاده رفاقه إلى دمشق (أعمال الرسل ٢٢ : ١١). كان بولس ينوي دخول دمشق كأسد ينقض على فريسته، لكنه دخلها كحَمَل وديع! لقد كان أعمى جسديًا، لكنه في الحقيقة بدأ يرى للمرة الأولى في حياته. لقد انفتحت عينا روحه! ولو كان بولس قد عاش بعد جون نيوتن، لربما ردد كلمات ترنيمته الشهيرة: “كنت ضالًا، والآن وُجدت، كنت أعمى، والآن أبصر!”
تحوّل بولس يعلّمنا ثلاث حقائق عملية يمكن تطبيقها على حياتنا:
١. لا أحد سيّئ جدًا بحيث لا يمكنه أن يخلُص.
في رسالته إلى تيموثاوس، يقول بولس: “صادقة هي الكلمة وجديرة بكل قبول: أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليُخلّص الخطاة، الذين أوّلهم أنا. ولكنني لهذا رُحِمت، ليُظهر يسوع المسيح فيّ أولًا كل طول أناته، مثالًا للذين سيؤمنون به للحياة الأبدية” (١ تيموثاوس ١ : ١٥ – ١٦). هذا رجل كان يحارب المسيح وأتباعه بكل قوته، ومع ذلك نال رحمة!
هل تعتقد أنك سيّئ جدًا لدرجة أن الله لا يمكنه أن يخلّصك؟ تذكّر: لا يوجد خطية أو خاطئ أعظم من قوة دم يسوع المطهّر! إن دعوتك له بتوبة صادقة وإيمان حقيقي سيقابلها الخلاص — لأن يسوع نفسه وعد قائلًا: “وَكُلُّ مَنْ يُقْبِلُ إِلَيَّ لَا أُخْرِجُهُ خَارِجًا” (يوحنا ٦ : ٣٧).
وإن كنت قد نلت هذه الرحمة، فاذهب وشارك الإنجيل بثقة — المسيح يخلّص كل نوع من الخطاة. ربما يكون هناك شخص في حياتك لم يستجب لدعوة الإنجيل رغم محاولاتك المتكررة. صديقي، لا تيأس! واصل الصلاة لأجل خلاصه.
استفانوس لم يفقد الرجاء، حتى وهو يُرجم حتى الموت. وقد قال القائد الكنسي أوغسطينوس إن الكنيسة تدين بالكثير لاستفانوس، إذ يُحتمل أن صلاته كانت أحد أسباب خلاص بولس. رجل الله جورج مولر صلى من أجل ثلاثة من أصدقائه لأكثر من خمسين سنة. اثنان منهم آمنوا قبل وفاته بقليل، والثالث آمن بعد سنة من موته. لا تتوقف أبدًا عن الرجاء في إله الكتاب المقدس، القادر أن يخلّص فـ”عِنْدَ ٱللّٰه كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ” (متى ١٩ : ٢٦).
٢. الأعمال الصالحة والسلوك الخارجي لا يمكنهما أن يخلّصا أحدًا.
كبُولس، كان يظن أن التزامه الديني وسلوكه الأخلاقي كافيان لينال رضا الله. لكنه أدرك لاحقًا أن مقياس الله هو البر الكامل، وهذا لا يمكن تحقيقه بأعمال البشر — “إِذِ ٱلْجَمِيعُ قَدْ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ ٱللّٰه” (رومية ٣ : ٢٣)، وأنه لا يمكن نوال البر إلا بالإيمان بالمسيح (فيلبي ٣ : ٣ – ٩).
إن كنت تضع رجاءك في أعمالك الصالحة وسلوكك الحسن كوسيلة للذهاب إلى السماء، فإليك الخبر الصادم: مقياس الله هو الكمال الكامل — أي لا خطية واحدة، لا في الفعل ولا حتى في الفكر! قال يسوع إن القتل لا يبدأ فقط بفعل اليد، بل أيضًا بكراهية القلب (متى ٥ : ٢١ – ٢٢). والزنى لا يبدأ بالفعل، بل بنظرة الشهوة (متى ٥ : ٢٧ – ٢٨).
ما لم تُدرك هذه الحقائق، ستظل ترى نفسك إنسانًا يستحق المدح بدلًا من إدراك احتياجك للنعمة. الصديق، الأعمال الصالحة ليست سببًا لنوال القبول عند الله، بل هي نتيجة لقبولنا في المسيح.
٣. لا يمكنك أن تحارب الله وتنتصر.
في رواية أخرى لقصة تحوّله، ذكر بولس كلمات إضافية قالها له يسوع في الطريق: “شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟ صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ” (أعمال الرسل ٢٦ : ١٤). “المناخس” كانت عصيًّا حادة تُستخدم لحثّ الثيران على التقدّم. وإذا حاول الثور الرفس، فإن الحديدة كانت تؤذيه أكثر. لذا فإن “رفس المناخس” يعني محاربة مشيئة الله مع معرفة النتيجة الحتمية: الألم. وهكذا تعلّم بولس الدرس — لا يمكنك أن تحارب الله وتربح.
إن كنت تحارب الله الآن، سواء برفضك الإيمان بالمسيح كمخلّص، أو كمؤمن ترفض طاعته في مجالٍ ما من حياتك — فاعلم أنك تؤذي نفسك. قد تكون تتمسك بخطية، أو ترفض دعوة الله لفعل ما هو صائب. أياً كانت حالتك، توقف عن المقاومة، واخضع لقيادة الله فهو يعلم ما هو الأفضل لك.
أفكار ختامية
الإرهابي صار مرسَلًا. المضطهِد صار كارزًا! هذا هو عمل الله! إنه يكسر القلوب المتحجرة ويمنحها حياة جديدة، قلوبًا لينة وقابلة للتعليم، تطيع مشيئته. نفس بولس الذي كان يقتل المسيحيين، أصبح يقول في نهاية حياته: “فَإِنَّ ٱلْحَيَاةَ لِي هِيَ ٱلْمَسِيحُ، وَٱلْمَوْتَ رِبْحٌ” (فيلبي ١ : ٢١).
ليكن هذا هو موقف قلوبنا نحن أيضًا.
