صورة الأب التقي – الجزء الثاني
English version: Portrait Of A Godly Father – Part 2 – What To Do!https://docs.google.com/document/d/1h7Z2NIDJA1ca_xnR9SVO5KXlKBtKnAZ3/edi
في الجزء السابق، رأينا ما لا يجب أن يفعله الآباء، بحسب ما أوصى به بولس في الجزء الأول من أفسس ٦ : ٤: “أيها الآباء، لا تُغِيظُوا أَوْلادَكُمْ…” وفي هذا الجزء، ننتقل إلى النصف الثاني من الآية: “… بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ ٱلرَّبِّ وَإِرْشَادِهِ.”
الآباء – ما ينبغي أن يفعلوه [الإيجابي]
بدلًا من إثارة الغضب والإحباط في نفوس أولادهم، يدعو بولس الآباء إلى أن يقوموا بأمر إيجابي: “بل ربّوهم” وهي عبارة تشير إلى التغذية والرعاية للوصول بالأبناء إلى النضوج. هذه هي مسؤولية الأب.
نجد نفس الكلمة مستخدمة أيضًا في أفسس ٥ : ٢٩ حين قال بولس إن المسيح يُطعم ويرعى الكنيسة، وهكذا يجب أن يفعل الأزواج مع زوجاتهم. فالزوج هو الراعي والمربّي، ليس فقط للأبناء، بل للزوجة أيضًا. وإذا فشل الزوج في دوره مع زوجته، فمن المرجح أن يفشل في دوره كأب أيضًا.
بولس يُعلّم أن الأب يجب أن يربّي أولاده من خلال طريقين: التأديب والإرشاد في الرب. “التأديب” تعني التدريب المنهجي الذي يشمل التصحيح والتأديب، كما ورد في عبرانيين ١٢ : ٥ – ١١. “الإرشاد” تشير إلى التحذير والنصح، ووضع الحق في ذهن الطفل لحمايته من الأخطار. وردت هذه الكلمة في ١ كورنثوس ١٠ : ١١ و تيطس ٣ : ١٠.
أما عبارة “في الرب” فتعني أن الأب يتصرف كممثل لله، فيُربي ويُعلّم أولاده ليكونوا سبب مجد لله. ويتم هذا التدريب والتأديب والإرشاد من خلال أربعة وسائل:
١. التعليم
٢. التأديب
٣. المحبة
٤. القدوة الحسنة
حتى فلاسفة العالم أدركوا أهمية دور الأب كمعلم. قال كونفوشيوس: “الأب الذي لا يُعلّم ابنه واجباته، مذنب كمن يهملها.” لكن ماذا يُعلّم الأب المسيحي؟ الجواب: الحق الكتابي.
يقول بولس في ٢ تيموثاوس ٣ : ١٦ – ١٧: “كُلُّ ٱلْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ ٱللّٰهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَلِلتَّوْبِيخِ وَلِلتَّقْوِيمِ وَلِلتَّدْرِيبِ عَلَى ٱلْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ ٱللّٰهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّلًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ.”
وهذا المفهوم نجده أيضًا في التثنية ٦ : ٦ – ٧: “لِتَكُنْ هَذِهِ ٱلْكَلِمَاتُ ٱلَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا ٱلْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلَادِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي ٱلطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ، وَحِينَ تَقُومُ.”
الآباء والأمهات هم المعلمين الأساسيين لأولادهم، لا الكنيسة، ولا المدرسة، ولا الأجداد. لكن لاحظ ما قاله موسى: “لِتَكُنْ عَلَى قَلْبِكَ.” لا يمكنك أن تُعطي ما لا تملك! فعلى الأهل أن يعيشوا كلمة الله أولًا. كلمة “قصها” تعني “نقشها” — كمن يحفر كلمات على حجر، أي تحتاج إلى جهد ومواظبة. يجب أن تكون هناك أوقات محددة لقراءة الكتاب المقدس والصلاة العائلية، بالإضافة إلى دمج المبادئ الكتابية في الحياة اليومية.
الهدف هو الخلاص. كما قال بولس في ٢ تيموثاوس ٣ : ١٥: “وَأَنَّكَ مُنْذُ طُفُولَتِكَ تَعْرِفُ ٱلْكُتُبَ ٱلْمُقَدَّسَةَ، ٱلْقَادِرَةَ أَنْ تُحَكِّمَكَ لِلْخَلَاصِ بِٱلْإِيمَانِ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ.”
قال جون بايبر: “التربية الناجحة ليست أولادًا مهذبين فقط، بل هي حياة وتعليم مشبعة بالإنجيل.” يجب أن يرى الأولاد أن الإنجيل لا يبدأ الحياة المسيحية فقط، بل هو ما يغذّيها ويشكلها ويُبقيها.
نُعلّمهم أن: يحفظوا آيات كتابية ويفكروا فيها — حتى لو كانت آية واحدة في الأسبوع. يتعلموا كيف يصلّون، وكيف يشكرون الله على كل شيء، حتى الأمور الصغيرة. يتجنّبوا الانتقام، ويُصلّوا لأعدائهم بدلًا من الرد بالعنف. يُقدّروا قيمة العمل والجهد. يتعلّموا إدارة المال، وألا يحصلوا على كل شيء فقط لأنهم ألحّوا.
يكونوا كرماء ويشاركوا مواردهم مع الآخرين. قال جورج هربرت: “أب واحد يساوي أكثر من مئة معلّم.” فالتعليم هو الخطوة الأولى في تربية أولاد أتقياء.
عندما لا يكون هناك تعليم كافٍ، يصبح التأديب جزءًا من التعليم التصحيحي. أفهم أن موضوع التأديب صار حساسًا في أيامنا هذه، بل قد يعارضه البعض. لكن كأبناء لله، يجب أن نسأل: ماذا يقول الكتاب المقدس؟ وليس: ماذا نشعر نحن.
أولًا، الله الآب، وهو الأب الكامل، يُؤدب أبناءه. في عبرانيين ١٢ : ٥ – ١١ نقرأ أن الله يؤدب أولاده “لِخَيْرِنَا” (عدد ١٠). وهذا يفترض أن الآباء الأرضيين أيضًا يؤدبون أبناءهم لخيرهم (عدد ٩). فهو القدوة لنا.
سفر الأمثال، المليء بالحكمة، يكرر مرارًا ضرورة التأديب: “مَنْ يَمْنَعُ عَنِ ٱبْنِهِ ٱلْعَصَا يُبْغِضُهُ، وَمَنْ أَحَبَّهُ يُبَكِّتُهُ مُبَكِّرًا.” (أمثال ١٣ : ٢٤)
“أَدِّبِ ٱبْنَكَ مَا دَامَ فِيهِ رَجَاءٌ، وَلَا تَرْفَعْ نَفْسَكَ إِلَى إِمَاتَتِهِ.” (أمثال ١٩ : ١٨)
“لَا تَمْنَعِ ٱلتَّأْدِيبَ عَنِ ٱلْوَلَدِ، لِأَنَّكَ إِنْ ضَرَبْتَهُ بِٱلْعَصَا لَا يَمُوتْ. أَنْتَ تَضْرِبُهُ بِٱلْعَصَا فَتُنْقِذُ نَفْسَهُ مِنَ ٱلْهَاوِيَةِ.“ (أمثال ٢٣ : ١٣ – ١٤)
الله يأمرنا أن نؤدب أولادنا — ولكن ليس بالعنف أو الغضب، بل بهدف التصحيح. “العصا” لا تعني أداة حديدية، بل وسيلة بسيطة تُستخدم بحكمة لتذكير الطفل أن العصيان له عواقب. الهدف ليس مجرد الطاعة للأهل، بل أن يتعلم الطفل أن الخطية لها عواقب، وهذا يقوده إلى طلب غفران المسيح.
بعد التأديب، من الجيد أن يصلّي الوالدان مع الطفل ويشجعانه أن يطلب غفران الله، حتى لو بكلمات بسيطة مثل: “آسف يا يسوع”. فالأهم هو زرع عادة التوبة والرجوع إلى الله. نحن لا نؤدب فقط لأننا غاضبون، بل لأننا نُحب أولادنا ونرغب في خلاصهم. لهذا، من الضروري أن يبدأ التأديب في سن مبكرة، لأن الأمر الكتابي هو: “أَيُّهَا ٱلْأَوْلَادُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي ٱلرَّبِّ، لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ.” (أفسس ٦ : ١)
التأديب مسؤولية الأب والأم معًا. الإهمال من أحد الطرفين يُعتبر خطية، والله يؤدب الأهل المُهملين لتأديب أولادهم. والتأديب لا يعني دائمًا الضرب، فقد يكون أحيانًا بحرمان من متعة، أو الحديث، أو أي وسيلة مناسبة للعمر.
أيها الآباء، أحبّوا أولادكم — جميعهم على السواء! لا تنظر إليهم كعائق في حياتك. أظهر محبتك لهم بقضاء الوقت، بالكلام اللطيف، بالحضور في نشاطاتهم. صحيح أنك لا تستطيع أن تحضر كل شيء، لكن كلما استطعت، كن هناك.
تكلّم معهم دون أن تنشغل بهاتفك أو التلفاز. انظر في أعينهم. استمع إليهم. فغالبًا ما يحتاج الطفل لحضور والده أكثر من الهدايا.رجل أعمال مسيحي في فيلادلفيا شعر أنه لا يقضي وقتًا كافيًا مع ابنته البالغة من العمر ٦ سنوات. فقرر أن يُعوّضها بكل شيء دفعة واحدة. أرسل سائق الليموزين ليأخذها من المدرسة، وسافر معها إلى نيويورك، حجز لهما عشاء في مطعم فرنسي فاخر، وتذاكر لحضور عرض مسرحي.
في اليوم التالي، سألتها أمها: “كيف كانت الأمسية؟” فأجابت الطفلة: “كانت جيدة. لكني كنت أفضل أن نأكل في ماكدونالدز… وما فهمتش المسرحية، بس أحلى لحظة لما رجعنا في السيارة الكبيرة، ووضعت رأسي على حضن بابا ونمت.”
لا تستهين أبدًا بالأعمال البسيطة المليئة بالمحبة.
التعليم بالكلام مهم، لكن التعليم بالقدوة أهم. كلمة الله مثل المسمار، لكن حياتنا هي المطرقة التي تثبّته.
ما فائدة أن نطلب من أولادنا قراءة الكتاب والصلاة إن كنا لا نفعل ذلك؟ أن نوبّخهم على الكذب، وهم يروننا نكذب؟ أن نحدثهم عن الإيمان، وهم يروننا نتذمّر؟ أن نحثّهم على الكرم، ونحن أنانيون؟
لكن إن رأونا نثق بالله، نقرأ الكتاب، نصلي، نتحلى بالوداعة والنعمة، نغفر، ونطلب ملكوت الله أولًا — عندها نكون لهم قدوة كتابية حيّة.
رأينا معًا ما لا يجب أن يفعله الآباء، وما يجب أن يفعلوه.
دعونا لا نكون ضمن فئة “الآباء المهملين”، بل لنتّبع الحق، ونتّكل على الله لنعيش ما أوصانا به.
إن كنت أبًا صالحًا، فاشكر الله وأعطه المجد، واستمر في الاتكال عليه. وإن كنت قد فشلت، فاصرخ إليه — هو يعرف ضعفك وآلامك، وحتى إن كنت تجني نتائج إخفاقات سابقة، فإن إلهنا يستطيع أن يحوّلها إلى خير.
لا تيأس، حتى وإن كنت أبًا أو أمًا وحيدًا بدون شريك روحي — الرب يعرف قلبك، وسيحملك في كل صراع.
ندائي الصادق لكل الآباء والأمهات: لنربّي أولادنا على رُكبنا — بالصلاة المستمرة. إن كان يسوع، القدوس الذي بلا خطية، أعطى وقتًا للصلاة، فكم بالأحرى نحن؟
قال الرب: “بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا.” (يوحنا ١٥ : ٥) وأخيرًا، إن لم يكن لك أب صالح في حياتك، فاعلم أن الله هو الأب الحقيقي، الكامل، الذي أرسل ابنه ليُخلّصك، حتى تصير من أولاده وتدعوه: “يا أبا الآب.” (رومية ٨ : ١٥)
فيه تجد كل ما تحتاجه في الأب، وفيه يمكنك أن تستريح كابن محبوب.
