لتطويبات – الجزء الخامس: طوبى للجياع والعطاش إلى البر
English version: The Beatitudes – Blessed Are Those Who Hunger And Thirst For Righteousness https://english.biblebasedhope.com/the-beatitudes-blessed-are-those-who-hunger-and-thirst-for-righteousness/
هذا هو المنشور الخامس في سلسلة تأملات في التطويبات – من متى ٥ : ٣ إلى ١٢ – حيث يصف الرب يسوع ثماني صفات أساسية يجب أن تتوفر في حياة كل من يدّعي أنه من أتباعه الحقيقيين. وفي هذا التأمل، نتناول الصفة الرابعة: “طوبى للجياع والعطاش إلى البر، لأنهم يُشبَعون” [متى ٥ : ٦].
في مجتمع يشجعنا باستمرار على إشباع رغباتنا الجسدية، فإن حديث يسوع عن الجوع والعطش إلى البر يبدو غير مألوف. منذ صغرنا نُدرّب على تلبية رغباتنا: الطعام، المتعة، النجاح، المال، العلاقات… وغيرها. لكن يسوع يقول: “السعيد حقًا هو من يجوع ويعطش… لا إلى الأمور الأرضية، بل إلى البر!”
في هذا التطويب، لا يتحدث يسوع عن جوع جسدي أو عطش مادي. بل يتحدث عن جوع وعطش روحي – اشتياق عميق، شغف، توق إلى البر. وهو لا يتحدث عن شعور عابر، بل عن حالة مستمرة – شخص يتوق باستمرار إلى ما يرضي الله. الكلمات المستخدمة هنا، “يجوع” و”يعطش“، تُعبّر عن أشدّ أشكال الحاجة.
فيسوع لا يتحدث عن شخص يريد لقمة خفيفة أو رشفة ماء، بل عن إنسان جائع حتى الموت أو عطشان في الصحراء.
بهذا العمق، يتوق أتباع المسيح إلى البر – ذلك البر الذي من الله!
ما هو البر المقصود في هذه التطويبة؟
البر المقصود هنا لا يشير إلى مكانتنا في المسيح، أي موقفنا القانوني الصحيح أمام الله حين نضع إيماننا فيه [رومية ٣ : ٢٢]. فالتطويبات، بل وأسلوب الحياة كله في الموعظة على الجبل، ليست شروطًا لدخول ملكوت الله، بل يجب أن تكون سمات من دخلوا بالفعل.
بمعنى آخر، هذه هي نتائج الخلاص، وليست أسبابًا له. لكن كيف يمكن أن نعرف حقًا أننا نتمتع بمكانة صحيحة أمام الله؟ بصورة أخرى: كيف نتيقن من أننا مخلّصون حقًا؟ ما هو الدليل؟
الجواب هو: بفحص حياتنا لنرى إن كنا نعيش في بر حقيقي في نظر الله. هذا هو ما يُطلق عليه “البر العملي”. البر الذي نحصل عليه بالإيمان بيسوع (البر الموضعي) يجب أن يُثمر دائمًا في بر عملي! “كل شجرة جيدة تثمر ثمرًا جيدًا” [متى ٧ : ١٧].
سمات البر العملي
الحياة لا تكذب. هي تكشف إن كنا نعيش وفقًا لمعايير الله، أي إذا كانت أفعالنا صالحة في نظره. هذا هو البر الذي يتحدث عنه يسوع في هذه التطويبة – البر العملي. في الواقع، تصف الموعظة على الجبل كلها كيف تبدو الحياة البارة أمام الله. ولو أجرينا مسحًا سريعًا لمتى ٥ – ٧، سنجد أن الحياة البارة تتوق إلى: المصالحة [متى ٥ : ٢٣ – ٢٤] الطهارة الجنسية [متى ٥ : ٢٨] الأمانة الزوجية [متى ٥ : ٣٢] الكلام النقي [متى ٥ : ٣٧] عدم الانتقام [متى ٥ : ٣٩] محبة الأعداء [متى ٥ : ٤٤] ممارسة البر من أجل الله لا من أجل الناس [متى ٦ : ١] طلب مجد الله لا المجد الشخصي في الصلاة [متى ٦ : ٩ – ١٥] كنز في السماء [متى ٦ : ١٩ – ٢١] الاتكال على الله بدلاً من القلق [متى ٦ : ٢٥ – ٣٣] الحكم على الآخرين برحمة [متى ٧ : ١ – ١٢] تأسيس الحياة على كلام يسوع [متى ٧ : ٢٤ – ٢٧]
إذًا، يقدم يسوع في هذه الموعظة وصفًا واضحًا لماهية الحياة البارة. أتباع يسوع، الذين يسكن فيهم الروح القدس، لديهم جوع مقدّس وعطش حقيقي لفعل ما هو صالح في نظر الله.
تمامًا كما يشتهي الجسد الطعام والماء كل يوم، هكذا تشتهي الروح هذا البر – هذه الحياة الصالحة – في كل وقت. إنه اشتياق دائم ومتزايد. ليس مجرد مظهر ديني، بل توق لا ينقطع لطاعة مشيئة الله من أعماق القلب. إن صرخة القلب البار تشبه ما قاله أحد المؤمنين الإسكتلنديين القدامى: “يا الله، اجعلني مقدّسًا بقدر ما يستطيع خاطئ مغفور أن يكون!”
وعندما يعجز المؤمن عن طاعة الله، يشعر بألم داخلي عميق، لا أعذار، بل حزن حقيقي يقوده للاعتراف بالخطية، والرجاء في التطهير، والطلب الصادق للقوة للاستقامة من جديد.
المكافأة التي ينالها من يسلك في البر
يسوع يَعِد قائلاً: “لأنهم يُشبَعون” – أي فقط هؤلاء الجياع والعطاش إلى البر هم من ينالون هذا الإشباع. اللغة المستخدمة تشير إلى أن هذا الإشباع لا يمكننا تحقيقه بأنفسنا – إنه عمل يقوم به الله فينا.
الله هو من يُشبعنا. لكن بماذا؟ بالبر الذي نجوع ونعطش إليه! الله يُشبعنا بما نشتاق إليه حين يكون اشتياقنا نحو الصلاح.
فمن جهة، نحن الذين تبعنا يسوع بالإيمان، نختبر بالفعل بعضًا من الفرح الناتج عن البر الموضعي الذي نلناه فيه. لكن حين نشتاق أيضًا لأن نحيا حياة صالحة في نظر الله، يعيننا الروح القدس لنجعل هذا الاشتياق يتحقق عمليًا.
وهنا نجد نوعًا من الشبع – فرح البر العملي. لكن، بسبب وجود الخطية فينا، فإن هذا الشبع لا يكون دائمًا كاملاً. لكن في المستقبل، عندما يعود يسوع، سننال أجسادًا جديدة لا تقوى على الخطية. وحينها سنخضع بالكامل لمشيئة الله إلى الأبد. وسنكون في حالة شبع دائم، إذ سنحيا حياة طاعة كاملة ومستمرة لله، مملوءة بالفرح. تخيل أن تعيش حياة طاعة كاملة – دائمًا تفعل ما يرضي الله!
ليس فقط على المستوى الشخصي، بل أيضًا على مستوى العالم كله، حين تسود البرارة. كما يقول بطرس: “ولكن، بحسب وعده، ننتظر سماوات جديدة وأرضًا جديدة، يسكن فيها البر” [٢ بطرس ٣ : ١٣]. فكل من يشتاق الآن إلى البر، سيختبر شبعًا كاملاً عندما يأتي يسوع ليُقيم ملكوته. هذا هو وعده.
ثلاث فوائد لاتباع أسلوب حياة البر
رغم أنه يمكننا أن نعدّد فوائد كثيرة للحياة التي تتّسم بالبر، إلا أنني سأعرض ثلاثًا منها هنا للتأمل:
الفائدة الأولى: نيل تأكيد حقيقي للخلاص [رومية ٨ : ١٤ – ١٦] “كل الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله.”
من غير الممكن أن نحصل على يقين عالٍ بالخلاص بينما نحيا في طاعة منخفضة.
فكّر بالأمر: حين نشكك في خلاصنا، أليس السبب غالبًا هو أننا نحيا في خطية أو لا نحيا باستقامة؟
صحيح أن البعض قد ينخدع بخصوص خلاصه، لكن في العموم، فإن الطاعة كأسلوب حياة تمنح المؤمن يقينًا صادقًا،
ويكون نتيجة ذلك: اختبار الفرح الحقيقي في الحياة المسيحية. الفائدة الثانية: استجابة الصلوات – الشخصية والشفاعة [مزمور ٦٦ : ١٨؛ يعقوب ٥ : ١٦] “إن راعيتُ إثمًا في قلبي، لا يستمع لي الرب.”
الخطية تعيق استجابة الله للصلوات.
لكن البر يفتح الباب أمام الله ليسمع ويستجيب.
فالصلاة – سواء كانت لأجل نفسك أو لأجل الآخرين – تفقد فاعليتها إن كنت تحيا في دون رغبة حقيقية للتو
أما إذا قدمها قلب يجوع ويعطش للبر، فهي صلاة قوية وفعالة.
الفائدة الثالثة: التأثير الحقيقي في الشهادة للمسيح
[متى ٥ : ١٦؛ ١ بطرس ٢ : ١٢]
“فليُضِئ نوركم هكذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات.”
الحياة البارة لا يمكن أن تبقى مخفية.
هي الإعلان الأقوى للإنجيل.
فالحياة المتغيرة هي الدليل العملي على أن يسوع لديه القدرة أن يغيّر الناس.
كيف نُنمي جوعًا وعطشًا دائمًا نحو البر؟
كيف ننمو في هذه التطويبة؟ كيف نُطوّر في حياتنا جوعًا وعطشًا مستمرّين لهذا النوع من البر؟ الجواب في طريقتين أساسيتين:
١. علينا أن نُنمّي شوقًا عميقًا نحو الله نفسه
في البداية، علينا أن نفهم أن الاشتياق المقدس لفعل ما هو صواب في نظر الله ينبع من شوق أعمق نحو الله نفسه – ذاك الذي هو البر الكامل. المسألة ليست فقط أن نسعى لحياة صالحة، بل أن نسعى أولاً نحو الله ذاته،
لأنه هو المصدر والجوهَر لكل بر. كان هذا هو موقف شعب الله في العهد القديم:
مزمور ٤٢ : ١ “كَمَا تَشْتَاقُ الْأَيَائِلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا الله.”
مزمور ٦٣ : ١ “إِلَهِي أَنْتَ. أَلْتَمِسُكَ نَفْسِي، يَظْمَأُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءِ.”
إشعياء ٢٦ : ٩ “بِنَفْسِي اشْتَهَيْتُكَ فِي اللَّيْلِ، أَيْضًا بِرُوحِي فِي دَاخِلِي إِلَيْكَ أَبْكِرُ، لأَنَّهُ حِينَمَا تَكُونُ أَحْكَامُكَ فِي الأَرْضِ، يَتَعَلَّمُ سُكَّانُ الْمَسْكُونَةِ الْبِرَّ.”
إذًا، ينبغي أن يكون شوقنا الأسمى لله نفسه، للعاطي أكثر من العطية، للمُعطي أكثر من البركة.
٢. علينا أن نُنمّي اشتياقًا لكلمة الله
الأمر الثاني هو أن ازدياد شوقنا لله، يجب أن يقود إلى ازدياد شوقنا لكلمته.
ولماذا؟
فكر بالأمر: عندما نُحب شخصًا، نرغب في معرفة كل شيء عنه – ما يحب، ما يكره، ما يفرّحه وما يغضبه. بنفس الطريقة، إن كنا نحب الله ونرغب أن نعرف ما يُرضيه، فلا بد أن نرجع إلى المصدر الوحيد الذي يُعلِن لنا هذه الحقائق – الكتاب المقدس. بما أن البر في هذه التطويبة يتعلّق بفعل ما هو صالح في نظر الله، فالمكان الوحيد الذي نكتشف فيه ما هو صالح في نظره هو كلمته المقدسة.
كلمة الله يجب أن تكون الغذاء اليومي لكل من يجوع ويعطش إلى البر. لهذا، نقرأ مرارًا عن شوق شعب الله لكلمته:
مزمور ١١٩ : ٢٠ “تَكْسَرَتْ نَفْسِي شَوْقًا إِلَى أَحْكَامِكَ فِي كُلِّ حِينٍ.”
أيوب ٢٣ : ١٢ “وَلاَ تَرَاجَعْتُ عَنْ وَصَايَا شَفَتَيْهِ، حَفِظْتُ كَلاَمَ فَمِهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةِ طَعَامِي.”
إرميا ١٥ : ١٦ “وُجِدَتْ كَلاَمَاتُكَ فَأَكَلْتُهَا، فَكَانَتْ كَلاَمَاتُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي.”
متى ٤ : ٤ “لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللهِ.“
١ بطرس ٢ : ١ – ٣ “فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ نَمِيمَةٍ، وَاشْتَهُوا كَأَطْفَالٍ مَوْلُودِينَ جُدُدًا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْالْغِشِّ، لِكَيْ تَنْمُوا بِهِ، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ ذُقْتُمْ أَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ.“
كلما اشتقنا إلى كلمة الله – لا لمجرد المعرفة الذهنية بل للطاعة – كلما ازداد طاعتنا، وكلما طَعَنا، كلما اختبرنا شبع البر. وهكذا تستمر الدورة. أما في الاتجاه العكسي: كلما سرنا في العصيان، كلما قلّ جوعنا لكلمة الله،
وكلما قلّ هذا الجوع، كلما قلّت الطاعة.
لذا، فالشوق لله يقود إلى شوق لكلمته – وهذان هما الوسيلتان الأساسيتان للنمو في الجوع والعطش إلى البر. هل تمتلك هذا الشوق؟ تذكّر: “أنت ما تأكله!” فما هو اشتياق قلبك الحقيقي؟ الرغبات لا تكذب!
دعوة للجوع والعطش نحو هذا البر
في الهند، هناك عادة يقوم بها كثير من الهندوس عند موت أحدهم. أتذكّر أني فعلت هذا عندما كنت طفلًا (قبل أن أخلص)، حين توفي والدي. يأخذون حفنة من الأرز ويضعونها في فم الميت.
وحين يُنقل الجسد إلى المقبرة، يبقى ذلك الأرز في فمه، غير مأكول.
ولماذا؟
لأن الجسد الميت لا يشعر بالجوع أو العطش!
بنفس الطريقة، فإن الشخص الميت روحيًا لا يملك أي جوع أو عطش للبر.
فإن كنت تدّعي أنك مسيحي، ومع ذلك لا تملك أي شوق لفعل ما هو صالح في نظر الله، فعليك أن تطرح هذا السؤال المصيري على نفسك:
هل أنا حي روحيًا؟
تذكّر: الموعظة على الجبل هي مرآة يرفعها يسوع أمامنا لنتفحّص أنفسنا، هل حياتنا تتوافق مع ما يقوله عن حياة من يتبعونه؟
كلماته في ختام الموعظة توضح ذلك بجلاء: “لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ، بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ” [متى ٧ : ٢١].
ومن بين أوجه إرادة الآب، أن يكون لدينا جوع وعطش مقدّسان نحو البر – نحو فعل ما هو صالح في عينيه. فإن كنا لا نملك هذا الاشتياق، لا يمكننا أن ندّعي أننا أولاده عن حق.
علينا ألا نخدع أنفسنا. إن كانت حياتنا لا تُظهر البر، فعلينا أن نتوب فورًا ونأتي إلى المسيح بقلوب منكسرة بسبب خطايانا، ونقبل، بالإيمان، الغفران الذي يعرضه علينا.
حينها فقط ننال بر الله، ومنذ تلك اللحظة، سيبدأ الروح القدس في تحريك قلوبنا إلى شوق أعمق نحو هذا البر يومًا بعد يوم، وسيبقى الله يُشبعنا باستمرار. وحين يعود المسيح، سنختبر ذلك الإشباع الكامل مرةً وإلى الأبد، إذ سنُرضي الله دومًا من ذلك الحين فصاعدًا.
كلمة تحذير
الذين يرفضون أسلوب الحياة الذي يتّسم بالجوع والعطش نحو البر، سيختبرون جوعًا وعطشًا من نوع آخر في الحياة الآتية. لكن سيكون جوعًا وعطشًا نحو الراحة من عذاب الجحيم [لوقا ١٦ : ٢٤]،
ولن يُشبَع أبدًا – بل سيستمر إلى الأبد. يا له من مصير مرعب! نحن ما نأكله. إن كانت الخطية هي طعامنا، فالنهاية هي عذاب رهيب في الجحيم.
أما إن كان البر هو طعامنا، فالنهاية هي سعادة لا توصف في السماء.
