الجزء السادس- التطويبات – طوبى للرحماء
English versian: Blessed Are The Merciful https://english.biblebasedhope.com/blessed-are-the-merciful/
هذه المقالة هي السادسة في سلسلة تأملات عن التطويبات – المقطع الذي يمتد من متى ٥: ٣ – ١٢. في هذا الجزء، يصف الرب يسوع ثمانية مواقف يجب أن تكون موجودة في حياة كل من يدّعي أنه تابع له. وفي هذه المقالة، سنتأمل في الموقف الخامس – وهو موقف الرحمة كما ورد في متى ٥: ٧: “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ.”
في إحدى المرات، عندما كان جون ويسلي مبشّرًا في ولاية جورجيا، كان الحاكم جيمس أوجليثورب يمتلك عبدًا سرق إبريقًا من النبيذ وشربه. أراد الحاكم أن يُجلَد العبد، فتوسّل ويسلي إليه من أجل العبد. فقال الحاكم: “أريد الانتقام. أنا لا أغفر أبدًا.” فردّ عليه ويسلي قائلًا: “أرجو من الله، يا سيدي، أن لا تخطئ أبدًا.” لم تكن الرحمة موضع تقدير في زمن ويسلي فقط، بل حتى في زمن يسوع، كانت تُعتَبر علامة ضعف. فاليونانيون والرومان كانوا يرون أن الرحمة ضعفٌ لا يُغتفر. حتى أن أحد الفلاسفة الرومان قال: “الرحمة مرض في النفس.”
وفي هذا السياق الثقافي، أعلن يسوع هذه الكلمات الصادمة: “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ” (متى ٥: ٧). هذه الكلمات لا تزال تصدم حتى ثقافتنا المعاصرة، التي تُعظّم الانتقام، والمرارة، واللامبالاة تجاه من يسيء إلينا. ومع ذلك، يدعو يسوع أتباعه ليُظهروا روح الرحمة – دعوة أخرى لنمط حياة مناقض للثقافة السائدة!
يقول يسوع إن الرحمة، بدلاً من أن تكون مرضًا في النفس، هي علامة على النفس التي لم تعد تحت سيطرة هذا المرض الذي يُدعى “الخطيئة.” بحسب تعليمه، فإن هذا هو نوع الحياة التي تنال بركة الله – حياة نالت قبوله وموافقته!
تعريف الرحمة
“الرحمة” هي واحدة من أجمل الكلمات في اللغة الإنجليزية، ومن أروع الحقائق في الإيمان المسيحي. يُعرّف أحد القواميس اليونانية كلمة “رحمة” بأنها “الصفة الأخلاقية التي تدفع إلى الشعور بالشفقة، وخاصة إظهار اللطف تجاه من هو في حاجة. ويمكن أن تشير هذه الكلمة إلى لطف البشر كما إلى لطف الله تجاه البشر.”
وأعتقد أن القصة التالية ستساعدنا على فهم كلمة “رحمة” بشكل أوضح: جندي في جيش الإسكندر الأكبر تم القبض عليه بعد أن هرب من المعركة، وكانت عقوبته الإعدام. فجاءت أمه وتوسلت إلى الإسكندر مرارًا وتكرارًا قائلة: “أرجوك، ارحمه.” فأجاب الإسكندر: “إنه لا يستحق الرحمة.”
لكن الأم الحكيمة ردت قائلة: “لو كان يستحقها، لما كانت رحمة.” فالرحمة إذًا ليست شيئًا يُمنَح أو يُتلقّى لأن الشخص يستحقه. الرحمة هي تصرّف نابع من استجابة لحاجة روحية أو جسدية أو عاطفية. وقد وصف أحد الكُتّاب الرحمة بهذه الطريقة: “الرحمة تفهم الألم، وتشعر به، وتتحرك لمعالجته.” بمعنى آخر، الرحمة تشمل العقل لأنها تدرك الألم، وتشمل المشاعر لأنها تشعر به، وتشمل الإرادة لأنها تتحرك لعلاجه.
رحمة الله المُعلَنة
أليس هذا تمامًا ما فعله الله تجاهنا؟ لقد رأى كيف جرحتنا الخطيئة، وتحرك قلبه بالشفقة، فتصرّف وأرسل ابنه ليُعالِج مشكلة خطايانا. فالله لا يعاملنا بحسب ما تستحقه خطايانا – أي الدينونة – بل بحنانه، يحجب عنا ما نستحقه، وبنعمته، يمنح الولادة الجديدة لكل من يتوب إليه. ولهذا كتب بطرس: “فَبِرَحْمَتِهِ الْعَظِيمَةِ وَلَدَنَا مَوْلِدًا جَدِيدًا لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ” (١ بطرس ١: ٣). ووصف بولس الله بأنه “غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ” (أفسس ٢: ٤). أما كاتب الرسالة إلى العبرانيين فيدعونا أن نقترب بثقة من “عَرْشِ النِّعْمَةِ لِنَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً تُعِينُنَا عِنْدَ الْحَاجَةِ” (عبرانيين ٤: ١٦).
وأحب الطريقة التي وصف بها النبي ميخا رحمة الله حين قال: “مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ، يَغْفِرُ الإِثْمَ وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْصِيَةِ بَقِيَّةِ مِيرَاثِهِ؟ لاَ يَحْفَظُ غَضَبَهُ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّهُ يُسَرُّ بِالرَّأْفَةِ” (ميخا ٧: ١٨). نحن، الخطاة، لا نستحق سوى دينونة الله. ومع ذلك، يقول ميخا إن الله لا يحجب الدينونة فقط، بل بالعكس، يسرّ أن يُظهِر الرحمة. فهو لا يتردد أبدًا – حتى وإن كنا قد جرحناه بشدّة.
نحن مُطالَبون بإظهار الرحمة
النبي ميخا نفسه قال في الإصحاح السابق: “قَدْ أَعْلَنَ لَكَ مَا هُوَ صَالِحٌ. وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلاَّ أَنْ تُجْرِيَ الْحَقَّ، وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ؟” (ميخا ٦: ٨). هل لاحظت ما الذي يطلبه الله من شعبه؟ أن يُجري الحق، ويُحب الرحمة، ويسلك بتواضع. وسأركّز هنا على الثانية – “الرحمة.” فالإله ذاته الذي يسرّ بأن يُظهر الرحمة (ميخا ٧: ١٨) يطلب من شعبه ألا يكتفوا بإظهار الرحمة فقط، بل أن “يُحبوا” (أو يسرّوا) بإظهارها!
ببساطة، الذين نالوا رحمة الله، ينبغي أن يُظهروا ذات النوع من الرحمة، وبنفس الروح التي يُظهرها الله حين يمنحها للآخرين. وهذا هو بالضبط ما يقصده يسوع في متى ٥: ٧، وأيضًا في لوقا ٦: ٣٦، “فَكُونُوا رُحَمَاءَ، كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضًا رَحِيمٌ.”
تذكّر أن يسوع، في التطويبات، يصف أسلوب حياة المسيحي الحقيقي – أولئك الذين نالوا الرحمة. ولكن كيف يعرفون أنهم نالوها فعلًا؟ من خلال إظهارهم للرحمة تجاه الآخرين! هؤلاء هم الأشخاص – الرحماء – الذين يقول يسوع إنهم مقبولون عند الله. هؤلاء هم الذين تنسكب عليهم نعمة الله. هؤلاء هم “المباركون.” وهم الذين سينالون ملء رحمة الله الخلاصية في المستقبل، لأنهم “سَيُرْحَمُونَ” عندما يغادرون هذا العالم.
خطر عدم إظهار الرحمة
رفض إظهار الرحمة له عواقب خطيرة. يسوع يلمّح هنا إلى أن الرحماء فقط هم الذين سينالون الرحمة. أما يعقوب، في رسالته، فيستخدم لغة أكثر وضوحًا وقوة، إذ يقول: “١٢ تَكَلَّمُوا وَتَصَرَّفُوا كَأُنَاسٍ سَيُدَانُونَ بِالنَّامُوسِ الَّذِي يُعْطِي الْحُرِّيَّةَ. ١٣ لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ رَحِيمًا. وَالرَّحْمَةُ تَفُوقُ الْحُكْمَ!” (يعقوب ٢: ١٢ – ١٣). الرحمة والدينونة ضدّان لا يلتقيان. ما نمنحه الآن هو ما سنناله لاحقًا – وبالمعنى الكامل في المستقبل. إن كنا قد نلنا رحمة الله، سنُظهِرها للآخرين في هذه الحياة وسننعم بها بالكامل في الأبدية. أما إن لم نكن قد نلنا رحمة الله، فلن نُظهِرها للآخرين، ولن نحصل عليها في الأبدية. بل بالعكس، سنتعرض لدينونته. هذه هي رسالة يعقوب.
العالم يجد في الانتقام لذة. يسهر الليالي وهو يخطط كيف ينتقم. لكن نحن كمؤمنين ينبغي أن نكره فكر الانتقام، ونفرح بإظهار الرحمة لمن يحتاجونها. من خلال منح الرحمة (دون الموافقة على أفعالهم الشريرة)، يمكننا أن نُسهم في مساعدتهم على التوبة. وطبعًا، لا يمكن أن تحدث المصالحة الحقيقية بدون التوبة. لكن الرحمة لها القدرة أن تُحرّك قلب الشخص الآخر ليطلب المغفرة، وبالتالي يتم التصالح.
جمال الرحمة
الرحمة أمر رائع وجميل. بدونها، كنا سنُدان جميعًا ونُطرَد إلى الجحيم إلى الأبد. ولكن برحمته، صنع الله لنا طريقًا من خلال المسيح لننال السعادة الأبدية بدلًا من العذاب الأبدي. وعندما نتبنّى أسلوب حياة رحيم، فإننا نظهر بوضوح أننا نلنا رحمة الله المخلّصة، وأننا سننالها في كمالها في المستقبل. هذه هي الضمانة الأكيدة لصحة خلاصنا.
روح الإدانة تُدمّر الحميمية – في كل العلاقات – بما في ذلك الزواج. فإذا كان أحد الزوجين أو كلاهما يمارس الإدانة المستمرة تجاه الآخر، فكيف يمكن أن تنمو العلاقة الحميمة؟ كلاهما سيشعر بالحاجة للابتعاد عن الآخر.
لهذا السبب، كما قال النبي ميخا، يجب أن “نُحب الرحمة.” هذا هو قلب الله، ويريد منّا أن نتمثل به. ولا يوجد مكان أفضل لنُظهر فيه هذا من البيت، وخصوصًا في علاقتنا مع أزواجنا وزوجاتنا.
ذات يوم، تعرّضت زوجة لحادث بسيارتها الجديدة كليًا. وكانت منزعجة جدًا وخائفة مما قد يقوله زوجها. فهرعت إلى درج السيارة لتأخذ أوراق التأمين. وبينما كانت تسحب الأوراق، وجدت ورقة مكتوبة بخط يد زوجها، تقول: “عزيزتي ماري، عندما تحتاجين إلى هذه الأوراق، تذكّري أنني أحبك أنتِ، وليس السيارة!”
كلنا مذنبون، وخطاة غير كاملين. ولهذا لا يمكن للعلاقات أن تستمر بدون رحمة. وحيث لا توجد رحمة، لا توجد علاقة حقيقية. نعم، قد يستمر الزواج من الناحية الشكلية، وقد يظل الزوجان معًا لعقود. لكنه ليس زواجًا صحيًا. إنه زواج يفتقر إلى الحميمية الحقيقية.
رجل أخبر راعي كنيسته ذات مرة عن الخلافات المستمرة مع زوجته. وعندما سأله الراعي عن التفاصيل، قال: “كلما نتشاجر، زوجتي تصبح تاريخية.” فقال له الراعي: “تقصد هستيرية.” فردّ الزوج: “لا، تاريخية. تسترجع أحداثًا حصلت منذ ٢٠ أو ٣٠ سنة.”
أترى؟ عندما يحتفظ أحدهم بسجلات الماضي، لا يمكن أن تنشأ علاقة سليمة، ولا يمكن تحقيق حميمية حقيقية. لهذا، الرحمة هي مفتاح العلاقات الصحية. من خلال الرحمة ننال علاقة صحيحة مع الله، ومن خلالها أيضًا نبني علاقات صحية مع الآخرين.
كيف ننمو في إظهار الرحمة
فكيف يمكننا أن نُحب الرحمة؟ كيف يمكننا أن نُسرّ بإظهار الرحمة؟ بأن نُبقي أعيننا دائمًا على خطايانا، وعلى الغفران الذي نلناه بفضل آلام ابن الله على الصليب من أجل فدائنا. وأن نُذكّر أنفسنا باستمرار بهذه الحقيقة: “أنا أستحق الجحيم. ومع ذلك، يا الله، لقد أظهرتَ رحمتك وما زلت تُظهرها لي – وأنا خاطئ بائس! يا يسوع، عندما أراك، أراك التجسيد الكامل للرحمة. ساعدني أن أكون مثلك.”
عندما نتبنى هذا الفكر، لن نستطيع أن نقول: “لن أُظهر الرحمة لمن أساء إليّ.” فمن غير المعقول أن نظل ننظر إلى الصليب، ونرى المخلّص المصلوب ينزف ويتألّم بسبب خطايانا، ونستمر في قول: “لا أستطيع أن أغفر لفلان أو فلانة. أنت لا تعرف كم آذاني. هو لا يستحق الرحمة.” ولكن، يا أحبائي، إن كان يستحقها، فهي ليست رحمة أصلًا، أليس كذلك؟
كلّما نظرنا إلى خطايانا، وكلّما تأملنا في يسوع على الصليب، ستذوب قلوبنا القاسية. ففهم مدى إساءتنا لإله قدوس لا نهائي، يُساعدنا أن نُدرك عِظَم الرحمة التي منحها لنا. ليس ذلك فقط، بل يُعيننا أيضًا أن نُدرك كم نحن بحاجة مستمرة إلى رحمته كل يوم. وكلما نما هذا الإدراك في داخلنا، كلّما صرنا أكثر استعدادًا لنتجاوز الإساءات التي تُوجَّه إلينا – سواء كانت بسيطة أو كبيرة – وازددنا رغبة في منح الرحمة للآخرين.
أفكار ختامية
هل هناك شخص في حياتك تحتاج أن تُظهر له الرحمة؟ إذًا امنحها له. ولا أقصد أن تُظهر الرحمة كواجب ثقيل أو إكراه داخلي يقول: “عليّ أن أُظهر الرحمة.” بل بفكر يقول: “يا لفرحتي، أُتيحت لي الفرصة أن أُظهر الرحمة! مجانًا نلت، ومجانًا سأُعطي!” ولكن هذا لن يحدث إلا إن كنت تُحب الرحمة. ولن تُحب الرحمة إلا إن تأملت أكثر فأكثر في رحمة الله في حياتك [رومية ١٢: ١ – ٢].
تذكّر: إظهار الرحمة ليس اختيارًا. بل هو دليل واضح على قلب مخلَّص. نوال الرحمة هو بداية ولادتنا الجديدة، حين أدركنا فقرنا الروحي، ونُحنا على خطايانا، وفي وداعة، توجّهنا إلى المسيح نطلب رحمته.وبمجرد أن خلّصنا، بدأ يعمل فينا بالروح القدس ليجعلنا نجوع ونعطش إلى البر – أسلوب حياة يسعى إلى طاعة وصايا الله اليومية – بدءًا من هذه الوصية: أن نُحب منح الرحمة لمن يسيء إلينا.
لهذا، أسألك: هل نلتَ رحمة الله الخلاصية شخصيًا؟ ربما تجد صعوبة في إظهار الرحمة لمن يحتاجها لأنك لم تنلها بنفسك بعد. ربما لم ترَ خطيتك في بشاعتها الحقيقية، ولم تتوجّه بعد إلى الصليب لتطلب الرحمة. إن كان هذا هو حالك، فاطلب من الله أن يفتح عينيك لترى قُبح خطيتك. اطلب منه أن يقودك إلى الصليب. اطلب أن يمنحك الرحمة. هذا هو نقطة البداية. ومن هناك، ستنال القوة لكي تكون رحيمًا مع الآخرين.
وسيكون لذلك تأثير قوي في مساعدتهم للرجوع إلى المسيح أيضًا. تذكّر، أن تعاليم يسوع في الموعظة على الجبل تُشبه مرآة يضعها أمامنا لننظر فيها ونرى إن كنّا فعلًا أولاد الله. فهل أنت حقًا ابن لله؟ إن كنت كذلك، فثق أن كلمات يسوع في هذه التطويبة تنطبق عليك.
“طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ!” نعم، طوبى لهم – ولهم وحدهم – لأنهم سينالون الرحمة عندما يأتي يسوع، الذي هو تجسيد الرحمة الكاملة، ليقيم ملكوته!
