التطويبات – الجزء الثالث طوبى للحزانى

Posted byArabic Editor July 3, 2026 Comments:0

English version: The Beatitudes – Blessed Are Those Who Mourn https://english.biblebasedhope.com/the-beatitudes-blessed-are-those-who-mourn/

هذا هو المنشور الثالث في سلسلة منشورات عن التطويبات – وهي مقاطع تمتد من متى ٥ : ٣ إلى ١٢. في هذا القسم، يصف الرب يسوع ثماني صفات يجب أن تكون حاضرة في حياة كل من يدّعي أنه من أتباعه. في هذا المنشور، سنتأمل في الصفة الثانية التي وردت في متى ٥ : ٤، “طوبى للحزانى، لأنهم سيتعزون.”

عبارة إعلانية على لوحة في الطريق إلى عملي، كتب عليها: “ساعة السعادة كل ساعة!” هذه العبارة تجسّد فعلاً جوهر ما يسعى إليه الناس في كل أنحاء العالم. فنحن نُلقَّن مرارًا وتكرارًا أن الحياة تتعلق بالاستمتاع والمرح. ما الفائدة بالنسبة لي؟ هل هذا سيجعلني سعيدًا؟ لقد وصف إيان دوغويد هذه الذهنية السائدة في العالم جيدًا حين قال: “معظم الناس سيكونون أكثر من راضين لو كُتبت هذه العبارة على قبرهم: لقد عاش حياة سعيدة” [من كتاب “بطل الأبطال: رؤية المسيح في التطويبات”].

لكن يسوع يقول في متى ٥ : ٤، “طوبى للحزانى، لأنهم سيتعزون.” هذا القول مناقض تمامًا لثقافة هذا العالم! أتباع يسوع يسيرون وفق إيقاع مختلف. كما قال دون كارسن بحق: “العالم لا يحب الحزانى؛ الحزانى كأنهم عبء ثقيل على الأجواء.” لكن يسوع يقول إن الحزانى وحدهم ينالون بركة الله. إنهم وحدهم ينالون استحسان الله ورضاه.

ومن البداية، أود أن أوضح أن هذا لا يعني أبدًا أن المسيحيين يجب ألا يضحكوا أو يفرحوا. فالعديد من الآيات تأمرنا أن نفرح [فيلبي ٤ : ٤؛ ١ تسالونيكي ٥ : ١٦]. ولكن المفتاح هو أن نفهم أن الفرح الذي نعيشه لا يجب أن يكون بمعزل عن روح الحزن.

كلمة “يحزنون” التي استخدمها يسوع هنا هي أقوى كلمة في اللغة اليونانية لوصف الحزن العميق – الحزن الذي ينبع من الأعماق. فعلى سبيل المثال، استُخدمت هذه الكلمة لوصف الحزن الذي شعر به التلاميذ عند موت يسوع [مرقس ١٦ : ١٠]. وباستخدام يسوع لهذه الكلمة، يُظهر أنه لا يمكننا التخفيف من معناها الحقيقي.

كما أن الكلمة جاءت بصيغة المضارع، ما يعني أن الترجمة الأدق للآية هي: “طوبى للذين يحزنون باستمرار.” فمن الواضح أن يسوع يدعونا إلى أسلوب حياة يتّسم بالحزن. لكن، ما نوع الحزن الذي يتحدث عنه هنا؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال، دعونا نوضح أولًا ما هو الحزن الذي لا يتحدث عنه.

ما هو الحزن الذي لا يقصده يسوع؟

هذا الحزن لا يشير إلى الحزن الناتج عن فقدان شخص عزيز، أو عندما لا يحصل المرء على ما يشتهي [مثال: ٢ صموئيل ١٣ : ٢؛ ١ ملوك ٢١ : ٤]. ولا يشير أيضًا إلى الحزن الناتج عن صعوبات الحياة اليومية. وأخيرًا، لا يقصد به السير بوجه عابس يفتقر إلى الفرح.

فالنوعيات المذكورة من الحزن يشترك فيها المؤمنون وغير المؤمنين على حد سواء. ولكن الحزن الذي يتحدث عنه يسوع في التطويبات هو موقف خاص لا يمكن أن يظهر إلا عند المؤمنين الحقيقيين – فقط عند أتباعه الأمناء.

ما هو الحزن الذي يقصده يسوع؟

الحزن الذي يصفه يسوع هنا هو الحزن على الخطية. وحدهم المؤمنون قادرون على إظهار هذا النوع من الحزن كأسلوب حياة. تمامًا كما أن أول تطويبة “طوبى للمساكين بالروح” [متى ٥ : ٣] تشير إلى الفقر الروحي وليس المادي، فإن الحزن هنا هو حزن روحي – حزن نابع من القلب بسبب الخطية – حزن عميق جدًا!

انظر، الفقر بالروح – أي أول تطويبة – يصف الجانب الفكري من فهمنا للخطية. أما الحزن – أي التطويبة الثانية – فيصف الجانب العاطفي لفهمنا للخطية. وهذان الجانبان مرتبطان ببعضهما. فعندما يخضع الإنسان للتبكيت بسبب خطيته ويدرك أنه مفلس روحيًا [أي الفقر بالروح]، يشعر أيضًا بندم عميق عليها [أي الحزن على الخطية]. قال أحد المطهرين: “الخطية يجب أن يُسكب عليها الدموع دائماً.” فالحزن على الخطية لا يجب أن يظهر فقط عند التوبة الأولى، بل يجب أن يكون حاضرًا باستمرار، لأننا نخطئ باستمرار.

كلمات يعقوب في يعقوب ٤ : ٩ تؤكد هذه الحقيقة: “احزنوا، وانوحوا، وابكوا! ليتحول ضحككم إلى نوح، وفرحكم إلى غمّ.” ومن الملفت أن كلمة “احزنوا” هنا هي نفس الكلمة اليونانية التي استخدمها يسوع في متى ٥ : ٤. وسياق الآية في يعقوب يوضح أن المقصود هو الحزن الروحي – الحزن على الخطية.

ويُظهر الكتاب المقدس نوعين من الحزن على الخطية كما في ٢ كورنثوس ٧ : ١٠: “فالحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاصٍ لا يُندم عليه، وأما حزن العالم فينشئ موتًا.” فالحزن الإلهي هو حزن يتركز على الله ويقود إلى التوبة والرجوع إليه. أما حزن العالم فهو حزن أناني لا يقود إلى الله.

والأمثلة الكلاسيكية هما بطرس ويهوذا. كلاهما حزنا على خيانتهما ليسوع. لكن حزن بطرس قاده إلى التوبة والعودة إلى المسيح – أي حزن إلهي. أما حزن يهوذا، فلم يدفعه إلى الرجوع إلى يسوع لأنه كان حزنًا أنانيًا، حزنًا عالميًا! في هذه التطويبة، يدعو يسوع إلى الحزن الذي يتركز على الله – الحزن الذي يقودنا إلى التوبة والرجوع إلى الله والمسيح لننال التعزية.

ضحالة حزننا

للأسف، يشبه حزن كثير من المسيحيين المعلنين حزن العالم. ففي أغلب الأحيان، يتمحور هذا الحزن حول أمور دنيوية مثل عدم تلبية الرغبات، أو عدم نيل الشهرة، أو عدم الترقية في العمل… إلخ. فلنقف لحظة ونتأمل:

متى كانت آخر مرة حزنّا فيها بسبب كبريائنا، أو أنانيتنا، أو سعينا للمراكز، أو محاولاتنا الخفية للحصول على مدح الآخرين، أو كلماتنا الجارحة للغير؟ متى كانت آخر مرة شعرنا فيها بألم عميق لأننا أهنّا إلهًا قدوسًا بعصيان وصاياه؟ متى كانت آخر مرة ذرفنا فيها دموعًا على خطايانا؟

سأل شاب ساخر أحد الوعاظ قائلاً: “تقول إن غير المخلّصين يحملون ثقل الخطية. أنا لا أشعر بشيء. كم يزن هذا الثقل؟ عشرة أرطال؟ ثمانون؟” فأجابه الواعظ بسؤال: “لو وضعت ثقلًا وزنه أربعمائة رطل على جثة، هل ستشعر به؟” فأجاب الشاب: “طبعًا لا، لأنها ميتة.”

فقال الواعظ: “كذلك الروح الميتة، لا تشعر بثقل الخطية، ولا تتألم من وجودها، بل تتعامل معها بسطحية واستخفاف.”

ترى، المؤمنون الحقيقيون، على النقيض من ذلك، لم يعودوا أمواتًا روحيًا. لقد أحيَاهم الروح [أفسس ٢ : ٤-٥]. وُلِدوا ولادة جديدة. وأحد الأدلة الواضحة على الولادة الجديدة هو الشعور بثقل الخطية! فحيث لا يوجد هذا الشعور، حيث لا يوجد حزن، يحق لنا أن نسأل: “هل حصلت الولادة الجديدة فعلاً؟”

غالبًا ما نقنع أنفسنا بأننا بما أننا خلصنا بالنعمة، فلا حاجة لأن نبكي على خطايانا. فنكتفي بالاعتراف بها، وننسب غفرانها إلى يسوع، ونمضي قُدُمًا. نريد فقط تجاوز الأمر بسرعة. أو في بعض الحالات، لا نريد التخلي عن الخطية. نتمسك بها قليلاً بعد، فنتجنب الحزن، لأن الحزن يعني التخلّي! وحتى حين نحزن، يكون ذلك غالبًا على الخطايا التي لم تعد تغرينا!

لكن يسوع يقول بوضوح إن أتباعه الحقيقيين يأسفون بشدة على كل خطاياهم. حتى أصغر خطية تزعجهم! يصرخون لله طالبين النجاة منها. ليس صرخة يأس بلا رجاء، بل صرخة عميقة يثيرها الروح القدس الساكن فيهم – صرخة لا تحزن فقط على الفعل، بل تتوق أيضًا إلى الخلاص منه.

قال جون ستوت بحق: “يبدو أن بعض المسيحيين يتصورون أنه، وخصوصًا إن كانوا ممتلئين بالروح، يجب أن يبتسموا دائمًا ويكونوا دائمًا مبتهجين ومرحِين. يا لها من نظرة غير كتابية!” وهو محق بحسب الكتاب المقدس، لأن هذا النوع من الخفة في التعامل مع الخطية لا يتفق مع رد فعل الأتقياء.

كان داود رجلاً يُظهر هذا النوع من الحزن حين أخطأ. لاحظ كلماته: “خطاياي فاقت رأسي، كحِملٍ ثقيل أثقلت عليَّ” [مزمور ٣٨ : ٤]. “أعترف بإثمي، وأحزن من خطيتي” [مزمور ٣٨ : ١٨]. “لأني عارف بمعاصيَّ، وخطيتـي أمامي دائمًا” [مزمور ٥١ : ٣]. العالم قد يقول: “يا داود، يا لك من شخص سلبي! هذا ليس طريق السعادة!” لكن الله يقول: “هذا هو الرجل الذي يسرّ قلبي” [أعمال ١٣ : ٢٢]. إذًا، فالحزن على الخطية يتماشى مع حياة التقوى.

الحزن على خطايا الآخرين

لا يدعو الكتاب المقدس المؤمنين إلى الحزن على خطاياهم فقط، بل يدعوهم أيضًا إلى الحزن على خطايا الآخرين. فعندما تساهلت كنيسة كورنثوس المتكبرة مع الخطية الجنسية، وبّخهم بولس قائلاً: “أفما كان ينبغي عليكم بالحري أن تنوحوا؟” [١ كورنثوس ٥ : ١-٢].

العالم إما أن يُدين خطايا الآخرين أو يبرّرها. أما نحن، فمدعوون أولاً وقبل كل شيء إلى الحزن عليها. هذا هو ما نراه في سلوك المؤمنين في الكتاب المقدس [مزمور ١١٩ : ١٣٦؛ إرميا ١٣ : ١٧؛ فيلبي ٣ : ١٨].

حتى يسوع نفسه – الذي نطق بهذه التطويبة – حزن على خطايا الآخرين. يقول لوقا ١٩ : ٤١ “وفيما هو يقترب، رأى المدينة، فبكى عليها.” لقد بكى على مدينة كان سكانها على وشك أن يرتكبوا أعظم خطية بصلبه بعد أيام قليلة! لا عجب أن الكتاب وصف يسوع بأنه “رجل أوجاع ومختبر الحزن” [إشعياء ٥٣ : ٣]. رجل أوجاع، بمعنى أن خطايا الآخرين كانت تُحزنه. لقد حزن عليهم بشدة – وليس على نفسه، لأنه “لم يرتكب خطية قط” [١ بطرس ٢ : ٢٢].

وبناءً على ذلك، كيف يمكننا نحن أتباعه أن لا نتأثر بخطايا من حولنا، بمن فيهم إخوتنا المؤمنين؟ كيف يمكننا أن نعيش حياتنا نضحك ونمرح بلا مبالاة ونحن نرى الخطية منتشرة من حولنا؟

كثيرون ابتلعوا الكذبة التي تقول إن الحياة المسيحية هي حياة ضحك مستمر. نعم، الله “يهبنا كل شيء بغنى للتمتع” [١ تيموثاوس ٦ : ١٧]. وسليمان قال إن “القلب الفَرِح يُصلح الجسم” [أمثال ١٧ : ٢٢]. لكن هل الحياة كلها متعة فقط؟ هل هدفها تجنُّب الحزن بأي وسيلة؟ هل علينا أن نُشغل أنفسنا بالتسلية حتى لا نشعر بأي وجع؟ إن كنا صادقين مع أنفسنا، ألا نكون مذنبين بالإفراط في الاستمتاع بملذات هذا العالم؟

إنها حماقة وخطورة روحية أن نعيش حياة تتمحور فقط حول المتعة. لنُصغِ إلى كلمات سليمان الحكيمة، الذي يحذر من جنون اللهو وعبادة المتعة: “الذهاب إلى بيت النوح أفضل من الذهاب إلى بيت الوليمة، لأن الموت نهاية كل إنسان، ومن الحري أن يُفكّر الأحياء في ذلك. الحزن أفضل من الضحك، لأن الوجه الحزين يُحسّن القلب. قلب الحكماء في بيت النوح، أما قلب الجهّال ففي بيت الفرح” [جامعة ٧ : ٢-٤].

سليمان يقول: اسعَ إلى الحزن. يسوع يقول: اسعَ إلى الحزن. هذه كلمات واضحة تهدف إلى هزّنا من غفلتنا الروحية. ما الذي نبكي عليه؟ وما الذي نضحك عليه؟ هذه الأسئلة تكشف حقيقة قلوبنا. وإن كنا صادقين، ألسنا مذنبين بالضحك على ما يجب أن نبكي عليه، والبكاء على ما يجب أن نضحك منه؟

كلمات يسوع واضحة: الله يبارك فقط أولئك الذين يحزنون باستمرار على خطاياهم وخطايا الآخرين. الله يرضى عن هؤلاء وحدهم.

وعد التعزية

وما هو جزاء تبنّي موقف الحزن؟ التعزية! لاحظ الجزء الأخير من متى ٥ : ٤ “لأنهم سيتعزون.” هم، وهم فقط، سينالون التعزية – في هذه الحياة الحاضرة، وبكل ملئها وكمالها في المستقبل حين يعود يسوع ليؤسس ملكوته، عندما “يمسح الله كل دمعة من عيونهم” [رؤيا ٢١ : ٤].

كلمة “سيتعزون” مشتقة من الكلمة اليونانية المعروفة “باراكاليو”، والتي تعني “أن يأتي أحد إلى جانبك ليعزيك ويشجعك ويقويك.” الله يُدعى “إله كل تعزية” [٢ كورنثوس ١ : ٣]. ويسوع يُدعى أيضًا “المعزي” [١ يوحنا ٢ : ١]، والكلمة نفسها تُترجم أحيانًا إلى “المدافع” أو “الشفيع.” والروح القدس يُدعى أيضًا “المعزي” أو “المشجع” أو “المقوّي” [يوحنا ١٤ : ١٦].

الآب والابن، من خلال عمل الروح القدس، يقدمون التعزية والتشجيع للمؤمنين عندما يحزنون على خطاياهم – سواء من خلال قراءتنا الشخصية للكتاب المقدس، أو سماعنا لعظة، أو حتى من خلال شركة المؤمنين.

كان داود واثقًا جدًا في أن الله يعزي القلوب المنكسرة، حتى قال: “الرب قريب من المنكسرين القلوب، ويخلّص المنسحقين بالروح” [مزمور ٣٤ : ١٨؛ وانظر أيضًا مزمور ٥١ : ١٧]. عندما نحزن على خطايانا ونسكبها أمام المسيح بتوبة حقيقية، يُطمئننا الروح القدس أن خطايانا قد غُفرت. كما يقول ١ يوحنا ١ : ٩ “إن اعترفنا بخطايانا، فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا، ويطهرنا من كل إثم.”

فهناك تعزية حقيقية تؤدي إلى فرح وسعادة في هذه الحياة، ويكتمل هذا الفرح بالكامل في الحياة القادمة. يقول رؤيا ٢١ : ٤ إن الله “سيمسح كل دمعة من عيونهم، ولن يكون هناك موت، ولا حزن، ولا بكاء، ولا ألم بعد، لأن النظام القديم قد مضى.” نعم، هذا هو المستقبل الذي ينتظر كل من يتّبع أسلوب حياة الحزن على الخطية – في الحاضر!

ولكن، إن فضّلت أن تواصل الضحك على الخطية في هذه الحياة وتحتقر فكرة الحزن، فإليك تحذير يسوع في لوقا ٦ : ٢٥: “ويل لكم أيها الضاحكون الآن، لأنكم ستحزنون وتبكون.” هناك انقلاب قادم في الموازين. ابكِ الآن على الخطية – فتنال تعزية أبدية. استمرّ بالضحك على الخطية – فتحزن إلى الأبد! إنني أؤمن أن يسوع جاد للغاية. كلماته هنا ليست لمجرد الاطلاع، بل للتغيير. يجب أن نجعل هدفنا أن نسلك في هذا النوع من الحزن.

فكيف نسلك في هذا النوع من الحزن؟ كيف نعيش حياة تتسم بالحزن على خطايانا وخطايا الآخرين؟

أقترح كلمتين مفتاحيتين يمكن أن تساعدانا: تأمل واهرب.

١. تأمل

علينا أن نخصص وقتًا بانتظام للتأمل في حالتنا الروحية. خلال هذه الأوقات، يجب أن نطرح على أنفسنا أسئلة صادقة مثل:

لماذا أفكر أحيانًا بأفكار شريرة؟ لماذا أغضب عندما لا أحصل على ما أريد؟ لماذا أستشيط غضبًا عندما يستفزني أحد؟ لماذا أغار عندما ينجح الآخرون؟ لماذا استسلمت لتلك الفكرة الشهوانية بدلاً من أن أرفضها؟ لماذا أحكم على الآخرين بروح متعالية؟ لماذا أقارن نفسي بالآخرين باستمرار؟ لماذا لا أكتفي بما أعطاني الله وأشتكي كثيرًا؟ لماذا أذهب إلى أماكن لا ينبغي أن أكون فيها وأشاهد ما لا يجب أن أراه؟ لماذا أستخدم فمي لإيذاء الآخرين؟

علينا أن نضع أنفسنا على منصة الشهادة ونُجري محاكمة داخلية بكل أمانة. يجب أن نطلب من الله أن يفتش قلوبنا [مزمور ١٣٩ : ٢٣-٢٤] ويكشف لنا الخطايا التي قد لا نكون حتى مدركين لها.

فلنأخذ وقتًا لنتأمل في كل الخطايا التي يسلّط الروح القدس الضوء عليها في قلوبنا. فثقل الخطية سيقودنا إلى تبكيت حقيقي. عندها سنبدأ في الحزن على خطايانا – تلك الخطايا نفسها التي بُصق على يسوع بسببها، وتعرّض ظهره للجلد بسببها، وغُرِزت المسامير في يديه وقدميه من أجلها، ووُضِع تاج الشوك على رأسه بسببها.

حينئذ، سنصرخ من أعماق القلب: “ما أشنع خطيتي! فالأمر لا يتوقف عند كوني أخطئ، بل حتى رد فعلي تجاه خطيتي سطحي. حتى توبتي باهتة!”

وعندما نصل إلى هذه النقطة، ننتقل إلى الاقتراح الثاني.

٢. اهرب

هدف التأمل هو أن نهرب إلى المسيح للتعزية. نهرب إلى ذراعيه المفتوحتين – الذراعين اللتين لا ترفضان أبدًا خاطئًا حزينًا وتائبًا. لسنا بحاجة لأن نستمر في الغرق في البؤس. يمكننا أن نعترف له بخطايانا ونطلب منه أن يطهرنا. وبلا تردد، سيمنحنا يسوع الرحيم ليس فقط غفرانًا، بل أيضًا سلامًا وتعزية لأرواحنا المثقلة.

يروى أن طالبًا جامعيًا دخل غرفة الغسيل في السكن الجامعي حاملاً ثيابه المتسخة ملفوفة في قميص قديم. لكنه كان محرجًا جدًا من مدى اتساخ ثيابه، فبدلاً من أن يفتح الحزمة ويغسل الثياب، رمى بها في الغسالة كما هي. وبعد انتهاء الغسيل، وضع الحزمة المغلقة كما هي في المجفف، ثم أعادها إلى غرفته. واكتشف طبعًا أن الملابس أصبحت مبتلة وجافة، لكنها لم تُنظف.

يقول الله: “لا تحتفظ بخطاياك في حزمة مغلقة وآمنة. أريد أن أجري عملية تنظيف كاملة في حياتك – كل الغسيل المتسخ.”

فلنذكر دومًا أن “دم يسوع، ابنه، يطهرنا من كل خطية” [١ يوحنا ١ : ٧]. إذًا، تأمَّل واهرب – هاتان هما الممارستان اليوميتان التي أنصح بها كل من يسعى ليعيش هذه التطويبة عمليًا.

ولئلا نشعر باليأس، فلنتذكّر أن يسوع قد أكمل هذه التطويبة بالكامل نيابة عنا. فلا يجب أن نقع في فخ الاعتقاد أننا بحاجة لأن نُظهر هذا النوع من الحزن بشكل مثالي كي ننال قبول الله أو نحافظ عليه. بل علينا أن ننظر إليه كمثال لنا في هذا السبيل، بينما يعمل الروح القدس فينا من الداخل ليُشَكِّلنا على شبه يسوع [٢ كورنثوس ٣ : ١٨].

الماضي قد مضى. واليوم يوم جديد. يمكننا أن نبدأ من جديد بالإيمان والعمل بهذا الوعد العظيم:

“طوبى للحزانى… على خطاياهم وخطايا الآخرين… لأنهم، وهم وحدهم، سيتعزون!

Category

Leave a Comment